فصل: فصــل: في ‏اللباس في الصلاة‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ابن تيمية **


/وقال شيخ الإِسلام ـ رَحِمَهُ اللَّه ‏:‏

 فصــل

في ‏[‏اللباس في الصلاة‏]‏، وهو أخذ الزينة عند كل مسجد، الذي يسميه الفقهاء‏:‏ ‏[‏باب ستر العورة في الصلاة‏]‏‏.‏ فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة هو الذي يستر عن أعين الناظرين وهو العورة، وأخذ ما يستر في الصلاة من قوله‏:‏ ‏{‏وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ‏}‏ ـ يعني الباطنة ـ ‏{‏إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ‏}‏ الآية ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏‏.‏

فقال‏:‏ يجوز لها في الصلاة أن تبدي الزينة الظاهرة، دون الباطنة‏.‏ والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين؛ فقال ابن مسعود ومن وافقه‏:‏ هي الثياب‏.‏ وقال ابن عباس ومن وافقه‏:‏ هي في الوجه واليدين، مثل الكحل والخاتم‏.‏ وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية‏.‏ فقيل‏:‏ يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي،وقول في مذهب أحمد‏.‏/وقيل‏:‏ لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد، فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها، وهو قول مالك‏.‏

وحقيقة الأمر‏:‏ أن اللّه جعل الزينة زينتين‏:‏ زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج، وذوي المحارم، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يري الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان ـ حينئذ ـ يجوز النظر إليها؛ لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل اللّه ـ عز وجل ـ آية الحجاب بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 95‏]‏، حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش، فأرخي الستر، ومنع النساء أن ينظرن، ولما اصطفي صفية بنت حيي بعد ذلك ـ عام خيبر ـ قالوا‏:‏ إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها‏.‏

فلما أمر اللّه ألا يُسْأَلْن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن ـ و‏[‏الجلباب‏]‏ هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره‏:‏ الرداء، وتسميه العامة الإزار‏.‏ وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها‏.‏ وقد حكي أبو عبيد وغيره‏:‏ أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا/عينها،ومن جنسه النقاب‏:‏ فكن النساء ينتقبن‏.‏ وفي الصحيح‏:‏ أن المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن، وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب، كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين‏.‏

وعلى هذا فقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏31‏]‏، يدل على أن لها أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها‏.‏ وفيه قولان‏:‏ قيل المراد الإماء، والإماء الكتابيات، كما قاله ابن المسيب، ورجحه أحمد وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ هو المملوك الرجل، كما قاله ابن عباس وغيره، وهو الرواية الأخري عن أحمد‏.‏

فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته، وقد جاءت بذلك أحاديث، وهذا لأجل الحاجة؛ لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها، أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد والمعامل والخاطب، فإذا جاز نظر أولئك، فنظر العبد أولي،وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرما يسافر بها‏.‏ كغير أولي الإربة؛ فإنهم يجوز لهم النظر، وليسوا محارم يسافرون بها، فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها، ولا الخلوة بها، بل عبدها ينظر إليها للحاجة، وإن كان لا يخلو بها، ولا يسافر بها /فإنه لم يدخل في قوله الله تعالي‏:‏ ‏(‏لا تسافر امرأة إلا مع زوج، أو ذي محرم‏)‏‏.‏ فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عتق، كما يجوز لزوج أختها أن يتزوجها إذا طلق أختها، والمحرم من تحرم عليه على التأبيد؛ ولهذا قال ابن عمر‏:‏ سفر المرأة مع عبدها ضيعة‏.‏

فالآية رخصت في إبداء الزينة لذوي المحارم وغيرهم، وحديث السفر ليس فيه إلا ذوي المحارم، وذكر في الآية نساءهن، أو ما ملكت أيمانهن، وغير أولي الإربة، وهي لا تسافر معهم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ نِسَائِهِنَّ‏}‏ قال‏:‏ احتراز عن النساء المشركات‏.‏ فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة، ولا تدخل معهن الحمام، لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها، فيرين وجهها ويديها، بخلاف الرجال، فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات، وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة، ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره؛ ولهذا كان أقاربها تبدي لهن الباطنة، وللزوج خاصة ليست للأقارب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏، دليل على أنها تغطي العنق، فيكون من الباطن لا الظاهر، ما فيه من القلادة وغيرها‏.‏

/ فصـل

فهذا ستر النساء عن الرجال، وستر الرجال عن الرجال، والنساء عن النساء في العورة الخاصة، كما قال صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة‏)‏ وكما قال‏:‏ ‏(‏احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ فإذا كان القوم بعضهم في بعض‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏إن استطعت ألا يرينها أحد فلا يراها‏)‏، قلت‏:‏ فإذا كان أحدنا خاليًا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فاللّه أحق أن يستحيي منه‏)‏‏.‏ ونهى أن يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، والمرأة إلى المرأة في ثوب واحد، وقال عن الأولاد‏:‏ ‏(‏مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع‏)‏، فنهى عن النظر واللمس لعورة النظير؛ لما في ذلك من القبح والفحش‏.‏

وأما الرجال مع النساء، فلأجل شهوة النكاح، فهذان نوعان، وفي الصلاة نوع ثالث‏.‏ فإن المرأة لو صلت وحدها كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأخذ الزينة في الصلاة لحق اللّه، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عريانا، ولو/كان وحده بالليل، ولا يصلي عريانا ولو كان وحده، فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس، فهذا نوع ، وهذا نوع‏.‏

وحينئذ، فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة، وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال‏:‏

فالأول‏:‏ مثل المنكبين‏.‏ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء‏.‏ فهذا لحق الصلاة‏.‏ ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة، وكذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يقبل اللّه صلاة حائض إلا بخمار‏)‏ وهي لا تختمر عند زوجها، ولا عند ذوي محارمها، فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء، ولا يجوز لها في الصلاة أن تكشف رأسها، لهؤلاء ولا لغيرهم‏.‏

وعكس ذلك‏:‏ الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب ـ على أصح القولين ـ بخلاف ما كان قبيل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب‏.‏ وأما ستر ذلك في الصلاة، فلا يجب باتفاق المسلمين بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما، وهو إحدي الروايتين عن أحمد‏.‏ فكذلك القدم يجوز إبداؤه عند أبي حنيفة، وهو الأقوي‏.‏ فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة‏.‏ قالت‏:‏ ‏{‏وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏، قالت‏:‏ ‏[‏الفتخ‏]‏ حلق/من فضة تكون في أصابع الرجلين‏.‏ رواه ابن أبي حاتم‏.‏ فهذا دليل على أن النساء كن يظهرن أقدامهن أولا، كما يظهرن الوجه واليدين، كن يرخين ذيولهن، فهي إذا مشت قد يظهر قدمها، ولم يكن يمشين في خفاف وأحذية، وتغطية هذا في الصلاة فيه حرج عظيم‏.‏ وأم سلمة قالت‏:‏ تصلي المرأة في ثوب سابغ، يغطي ظهر قدميها‏.‏ فهي إذا سجدت قد يبدو باطن القدم‏.‏

وبالجملة، قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خرجت‏.‏ وحينئذ، فتصلي في بيتها، وإن رؤي وجهها ويداها وقدماها، كما كن يمشين أولا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر، لا طردًا ولا عكسًا‏.‏

وابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ لما قال‏:‏ الزينة الظاهرة هي الثياب، لم يقل‏:‏ إنها كلها عورة حتى ظفرها، بل هذا قول أحمد، يعني أنها تشترط في الصلاة، فإن الفقهاء يسمون ذلك‏:‏ ‏[‏باب ستر العورة‏]‏ وليس هذا من ألفاظ الرسول، ولا في الكتاب والسنة أن ما يستره المصلي فهو عورة، بل قال تعالي ‏:‏ ‏{‏يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 31‏]‏، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف بالبيت عريانا؛ فالصلاة أولي‏.‏ وسئل عن الصلاة في الثوب الواحد‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أو لكلكم ثوبان‏؟‏‏)‏‏.‏ /وقال في الثوب الواحد‏:‏ ‏(‏إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به‏)‏ ‏.‏ ونهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء‏.‏

فهذا دليل على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة‏:‏ الفخذ وغيره، وإن جوزنا للرجل النظر إلى ذلك، فإذا قلنا على أحد القولين وهو إحدي الروايتين عن أحمد‏:‏ أن العورة هي السوأتان، وأن الفخذ ليست بعورة، فهذا في جواز نظر الرجل إليها، ليس هو في الصلاة والطواف، فلا يجوز أن يصلي الرجل مكشوف الفخذين، سواء قيل هما عورة، أو لا‏.‏ ولا يطوف عريانا‏.‏ بل عليه أن يصلي في ثوب واحد، ولابد من ذلك، إن كان ضيقًا اتزر به، وإن كان واسعًا التحف به، كما أنه لو صلى وحده في بيت كان عليه تغطية ذلك باتفاق العلماء‏.‏

وأما صلاة الرجل بادي الفخذين، مع القدرة على الإزار، فهذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ومن بني ذلك على الروايتين في العورة، كما فعله طائفة، فقد غلطوا، ولم يقل أحمد ولا غيره‏:‏ إن المصلي يصلي على هذه الحال‏.‏ كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين فكيف يبيح له كشف الفخذ‏؟‏‏!‏ فهذا هذا‏.‏

/وقد اختلف في وجوب ستر العورة، إذا كان الرجل خاليًا، ولم يختلف في أنه في الصلاة لا بد من اللباس، لا تجوز الصلاة عريانا مع قدرته على اللباس، باتفاق العلماء؛ ولهذا جوز أحمد وغيره للعراة أن يصلوا قعودًا، ويكون إمامهم وسطهم، بخلاف خارج الصلاة، وهذه الحرمة لا لأجل النظر‏.‏ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال‏:‏ قلت يارسول اللّه، فإذا كان أحدنا خاليًا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏فاللّه أحق أن يستحيي منه من الناس‏)‏‏.‏ فإذا كان هذا خارج الصلاة، فهو في الصلاة أحق أن يستحيي منه فتؤخذ الزينة لمناجاته ـ سبحانه‏.‏

ولهذا قال ابن عمر لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسرًا‏:‏ أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فاللّه أحق من يُتَجَمَّل له‏.‏ وفي الحديث الصحيح لما قيل له صلى الله عليه وسلم ‏:‏ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنا‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن اللّه جميل يحب الجمال‏)‏‏.‏

وهذا كما أمر المصلي بالطهارة والنظافة والطيب، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ المساجد في البيوت، وتنظف، وتطيب‏.‏ وعلى هذا، فيستتر في الصلاة أبلغ مما يستتر الرجل من الرجل، والمرأة من المرأة‏.‏ ولهذا أمرت المرأة أن تختمر في الصلاة، وأما وجهها / ويداها وقدماها، فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب، لم تنه عن إبدائه للنساء، ولا لذوي المحارم‏.‏

فعلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة، التي نهى عنها؛ لأجل الفحش، وقبح كشف العورة؛ بل هذا من مقدمات الفاحشة، فكان النهى عن إبدائها نهيًا عن مقدمات الفاحشة كما قال في الآية‏:‏ ‏{‏ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏232‏]‏، وقال في آية الحجاب‏:‏ ‏{‏ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏53‏]‏، فنهى عن هذا سدًا للذريعة لا أنه عورة مطلقة لا في الصلاة ولا غيرها، فهذا هذا‏.‏

وأمر المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيد جدًا، واليدان يسجدان كما يسجد الوجه، والنساء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لهن قمص، وكن يصنعن الصنائع، والقمص عليهن، فتبدي المرأة يديها إذا عجنت وطحنت، وخبزت، ولو كان ستر اليدين في الصلاة واجبًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وكذلك القدمان‏.‏ وإنما أمر بالخمار فقط مع القميص، فكن يصلين بقمصهن وخمرهن‏.‏ وأما الـثوب التي كانت المرأة ترخيه وسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏(‏شبرًا‏)‏ فقلن‏:‏ إذن تبدو سوقـهن، فقال‏:‏ ‏(‏ذراع لا يزدن عليه‏)‏‏.‏ وقول عمر بن أبي ربيعة‏:‏

/كتب القتل والقتال علينا ** وعلى الغانيات جر الذيول

فهذا كان إذا خرجن من البيوت؛ ولهذا سئل عن المرأة تجر ذيلها على المكان القذر، فقال‏:‏ ‏(‏يطهره ما بعده‏)‏ ‏.‏ وأما في نفس البيت، فلم تكن تلبس ذلك‏.‏ كما أن الخفاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السوق إذا خرجن، وهن لا يلبسنها في البيوت؛ ولهذا قلن‏:‏ إذن تبدو سوقهن‏.‏ فكان المقصود تغطية الساق؛ لأن الثوب إذا كان فوق الكعبين بدا الساق عند المشي‏.‏

وقد روي‏:‏ ‏(‏اعروا النساء يَلْزَمن الحِجَال‏)‏ يعني‏:‏ إذا لم يكن لها ما تلبسه في الخروج لزمت البيت، وكن نساء المسلمين يصلين في بيوتهن‏.‏ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه، وبيوتهن خير لهن‏)‏ ولم يؤمرن مع القمص إلا بالخمر، لم تؤمر بسراويل؛ لأن القميص يغني عنه‏.‏ ولم تؤمر بما يغطي رجليها لا خف ولا جورب، ولا بما يغطي يديها لا بقفازين ولا غير ذلك‏.‏ فدل على أنه لا يجب عليها في الصلاة ستر ذلك، إذا لم يكن عندها رجال أجانب‏.‏ وقد روي‏:‏ أن الملائكة لا تنظر إلى الزينة الباطنة فإذا وضعت خمارها وقميصها لم ينظر إليها وروي في ذلك حديث عن خديجة‏.‏

/فهذا القدر للقميص، والخمار هو المأمور به لحق الصلاة، كما يؤمر الرجل إذا صلى في ثوب واسع أن يلتحف به، فيغطي عورته ومنكبيه، فالمنكبان في حقه كالرأس في حق المرأة، لأنه يصلي في قميص أو ما يقوم مقام القميص‏.‏ وهو في الإحرام لا يلبس على بدنه ما يقدر له كالقميص والجبة، كما أن المرأة لا تنتقب ولا تلبس القفازين‏.‏ وأما رأسه فلا يخمره، ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد، وغيره قيل‏:‏ إنه كرأس الرجل، فلا يغطي‏.‏ وقيل‏:‏ إنه كيديه فلا تغطي بالنقاب والبرقع ونحو ذلك، مما صنع على قدره، وهذا هو الصحيح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا عن القفازين والنقاب‏.‏

وكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال، من غير وضع ما يجافيها عن الوجه، فعلم أن وجهها كيدي الرجل، ويديها، وذلك أن المرأة كلها عورة كما تقدم، فلها أن تغطي وجهها ويديها، لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإزار‏.‏ واللّه ـ سبحانه وتعالي ـ أعلم‏.‏

/ وَسُئِلَ عن الصلاة في النعل ونحوه ‏؟‏

فأجاب‏:‏

أما الصلاة في النعل ونحوه، مثل الجمجم، والمداس والزربول، وغير ذلك‏:‏ فلا يكره، بل هو مستحب؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في نعليه‏.‏ وفي السنن عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم‏)‏‏.‏ فأمر بالصلاة في النعال مخالفة لليهود‏.‏

وإذا علمت طهارتها لم تكره الصلاة فيها باتفاق المسلمين، وأما إذا تيقن نجاستها، فلا يصلي فيها حتى تطهر‏.‏

لكن الصحيح أنه إذا دلك النعل بالأرض طهر بذلك، كما جاءت به السنة، سواء كانت النجاسة عذرة، أو غير عذرة‏.‏ فإن أسفل النعل محل تكرر ملاقاة النجاسة له، فهو بمنزلة السبيلين، فلما كان إزالته عنها بالحجارة ثابتًا بالسنة المتواترة، فكذلك هذا‏.‏

/وإذا شك في نجاسة أسفل الخف لم تكره الصلاة فيه، ولو تيقن بعد الصلاة أنه كان نجسًا فلا إعادة عليه في الصحيح، وكذلك غيره كالبدن والثياب والأرض‏.‏

 وَسُـئِلَ عن لبس القَبَاء في الصـلاة، إذا أراد أن يدخل يديه في أكمامــه ، هل يكره أم لا‏؟‏

فأجاب‏:‏

الحمد للّه، لا بأس بذلك، فإن الفقهاء ذكروا جواز ذلك، وليس هو مثل السدل المكروه؛ لما فيه من مشابهة اليهود، فإن هذه اللبسة ليست من ملابس اليهود‏.‏ واللّه أعلم‏.‏

 وَسُئِلَ عن الفراء من جلود الوحوش، هل تجوز الصلاة فيها‏؟‏

فأجاب‏:‏

الحمد للّه، أما جِلْدُ الأرنب فتجوز الصلاة فيه بلا ريب‏.‏ وأما الثعلب ففيه نزاع، والأظهر جواز الصلاة فيه، وجِلْدُ الضبع وكذلك كل جِلْدٍ غير جلود السباع التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبسها ‏.‏

/ وَسُئِلَ عن المرأة إذا ظهر شيء من شعرها في الصلاة هل تبطل صلاتها أم لا ‏؟

فأجاب‏:‏

إذا انكشف شيء يسير من شعرها وبدنها لم يكن عليها الإعادة، عند أكثر العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد‏.‏

وإن انكشف شيء كثير، أعادت الصلاة في الوقت، عند عامة العلماء ـ الأئمة الأربعة، وغيرهم ـ واللّه أعلم‏.‏

 وَسُئِلَ عن المرأة إذا صلت وظاهر قدمها مكشوف هل تصح صلاتها‏؟‏

فأجاب‏:‏

هذا فيه نزاع بين العلماء، ومذهب أبي حنيفة صلاتها جائزة، وهو أحد القولين‏.‏

/وَقَال ـ رَحمَه اللّه ‏:‏

 

فصـل

في ‏[‏محبة الجمال‏]‏ ثبت في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال ذرة عن إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبر‏)‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر‏)‏ فقال رجل‏:‏ يارسول اللّه، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا، فقال‏:‏ ‏(‏إن اللّه جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس‏)‏‏.‏

فقوله‏:‏ ‏(‏إن اللّه جميل يحب الجمال‏)‏ قد أدرج فيه حسن الثياب التي هي المسؤول عنها، فعلم أن اللّه يحب الجميل من الناس، ويدخل في عمومه ـ بطريق الفحوي ـ الجميل من كل شيء‏.‏ وهذا كقوله في الحديث الذي رواه الترمذي‏:‏ ‏(‏إن اللّه نظيف يحب النظافة‏)‏‏.‏

وقد ثبت عنه في الصحيح‏(‏إن اللّه طيب لا يقبل إلا طيبًا‏)‏ /وهذا مما يستدل به على استحباب التجمل في الجمع، والأعياد، كما في الصحيحين‏:‏ أن عمر بن الخطاب رأي حلة تباع في السوق فقال‏:‏ يارسول اللّه، لو اشتريت هذه تلبسها‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة‏)‏‏.‏ وهذا يوافقه في حسن الثياب ما في السنن عن أبي الأحْوَص الجُشَمِي ، قال‏:‏ رآني النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أطمار، فقال‏:‏ ‏(‏هل لك من مال‏)‏‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏(‏من أي المال‏)‏‏؟‏ قلت‏:‏ من كل ما آتاني اللّه، من الإبل والشاء، قال‏:‏ ‏(‏فلتر نعمة اللّه عليك، وكرامته عليك‏)‏‏.‏

وفيها عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن اللّه يحب أن يري أثر نعمته على عبده‏)‏ لكن هذا لظهور نعمة اللّه، وما في ذلك من شكره، وأنه يحب أن يشكر، وذلك لمحبة الجمال‏.‏ وهذا الحديث قد ضل قوم بما تأولوه، رأوه معارضًا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

وكل مصنوع الرب جميل؛ لقول اللّه ـ تعالي ـ‏:‏ ‏{‏الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 7‏]‏ فيحب كل شيء، وقد يستدلون بقول بعض المشائخ‏:‏ المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوي مراد المحبوب،/والمخلوقات كلها مرادة له‏.‏ وهؤلاء يصرح أحدهم بإطلاق الجمال في كل شيء، وأقل ما يصيب هؤلاء أنهم يتركون الغيرة للّه، والنهى عن المنكر والبغض في اللّه، والجهاد في سبيله، وإقامة حدوده، وهم في ذلك متناقضون، إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود‏.‏ فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ولغيرهم، فيبقي أحدهم مع طبعه وذوقه وينسلخون عن دين اللّه، وربما دخل أحدهم في الاتحاد والحلول المطلق، وفيهم من يخص الحلول والاتحاد ببعض المخلوقات، كالمسيح، أو على أو غيرهما، أو المشائخ والملوك والمرْدَان‏.‏

فيقولون بحلوله في الصور الجميلة، ويعبدونها، ومنهم من لا يري ذلك، بل يتدين بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب، والمردان، وغير ذلك، ويري هذا من الجمال الذي يحبه اللّه، فحيبه هو، ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية، ويجعل ما حرمه اللّه مما يقرب إليه ‏{‏وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 28‏]‏‏.‏

والآخرون قالوا‏:‏ قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم‏)‏‏.‏ وقد قال ـ تعالي ـ عن المنافقين‏:‏ ‏{‏وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 4‏]‏، وقال تعالي‏:‏ ‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 74‏]‏، والأثاث‏:‏ المال من اللباس ونحوه‏.‏ والرئي‏:‏ المنظر‏.‏ فأخبر أن الذين أهلكهم قبلهم كانوا أحسن صورًا، وأحسن أثاثًا، وأموالا، ليبين أن ذلك لا ينفع عنده ولا يعبأ به‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوي‏)‏‏.‏ وفي السنن عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏البذاذة من الإيمان‏)‏‏.‏

وأيضًا ، فقد حرم علينا من لباس الحرير والذهب، وآنية الذهب والفضة، ما هو من أعظم الجمال في الدنيا، وحرم اللّه الفخر والخيلاء، واللباس الذي فيه الفخر والخيلاء، كإطالة الثياب، حتى ثبت في الصحيح عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏من جر ثوبه خيلاء لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة‏)‏‏.‏ ومثل ذلك ما في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قـال‏:‏ ‏(‏لا ينظر اللّه يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا‏)‏‏.‏ وفي الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء، خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة‏)‏‏.‏

وقال تعالي‏:‏ ‏{‏يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏26‏]‏، فأخبر أن لباس التقوي خير من ذلك‏.‏ وقال تعالي‏:‏ ‏{‏أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏18‏]‏، وقال تعالي في حق قارون‏:‏ ‏{‏فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏79‏]‏‏.‏ قالوا‏:‏ بثياب الأرجوان‏.‏ ولهذا ثبت عن عبد اللّه بن عمرو قال‏:‏ رأي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ثوبين معصفرين، فقال‏:‏ ‏(‏إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسهما‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ أغسلهما، قال‏:‏ ‏(‏أحرقهما‏)‏‏.‏

ولهذا كره العلماء الأحمر المشبع حمرة، كما جاء النهى عن الميثَرَة الحمراء‏.‏ وقال عمر بن الخطاب‏:‏ دعوا هذه البراقات للنساء‏.‏ والآثار في هـذا ونحوه كثيرة‏.‏ وقال تعالي‏:‏ ‏{‏قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏}‏ إلى قوله ‏:‏‏{‏وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 30، 31‏]‏ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن جرير بن عبد اللّه قال‏:‏ سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فقال‏:‏ ‏(‏اصرف بصرك‏)‏ ‏.‏ وفي السنن أنه قال لعلي‏:‏ ‏(‏ياعلي، لا تُتْبِع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأولي، وليست لك الآخرة‏)‏‏.‏

وقد قال تعالي‏:‏ ‏{‏وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 131‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 88‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء‏}‏ إلى قوله‏:‏‏{‏قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 14، 15‏]‏، وقد قال تعالي ـ مع ذمه لما ذمه من/هذه الزينة ـ ‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 32‏]‏‏.‏

فنقول‏:‏ اعلم أن ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم من محبته للأجناس المحبوبة، وما يبغضه من ذلك، هو مثل ما يأمر به من الأفعال، وينهى عنه من ذلك، فإن الحب والبغض هما أصل الأمر والنهي، وذلك نظير ما يعده على الأعمال الحسنة من الثواب، ويتوعد به على الأعمال السيئة من العقاب، فأمره ونهيه ووعده ووعيده وحبه وبغضه وثوابه وعقابه كل ذلك من‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

وقد بسطنا الكلام على ما يتعلق بهذه القاعدة في غير موضع لتعلقها بأصول الدين وفروعه، فإن من أكبر شعبها ‏[‏مسألة الأسماء والأحكام‏]‏ في فساق أهل الملة‏.‏ وهل يجتمع في حق الشخص الواحد الثواب والعقاب، كما يقوله أهل السنة والجماعة، أم لا يجتمع ذلك‏؟‏ كما يقوله جمهور الخوارج والمعتزلة‏.‏ وهل يكون الشيء الواحد محبوبًا من وجه، مبغوضًا من وجه، محمودًا من وجه، مذمومًا من وجه‏؟‏ وقد تنازع في ذلك أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين، وغيرهم‏.‏ والتعارض بين النصوص، إنما هو لتعارض المقتضي للحمد والذم من الصفات /القائمة بذلك؛ ولهذا كان هذا الجنس موجبًا للفرقة والفتنة‏.‏

فأول مسألة فرقت بين الأمة مسألة الفاسق المِلِّي، فأدرجته الخوارج في نصوص الوعيد، فخلدوه في النار، لكن لم يحكموا بكفره، فلو كان شيء خيرًا محضًا لم يوجب فرقة، ولو كان شرًا محضًا لم يخف أمره، لكن لاجتماع الأمرين فيه أوجب الفتنة‏.‏

وكذلك ‏[‏مسألة القدر‏]‏ التي هي من جملة فروع هذا الأصل فإنه اجتمع في الأفعال الواقعة التي نهى اللّه عنها‏:‏ أنها مرادة له لكونها من الموجودات، وأنها غير محبوبة له بل ممقوتة مبغوضة‏.‏ فأثبتوا وجود الكائنات بدون مشيئته؛ ولهذا لما قال غَيْلان القدري لربيعة بن أبي عبد الرحمن‏:‏ ياربيعة، نشدتك اللّه،أتري اللّه يحب أن يعصي‏؟‏ فقال له ربيعة‏:‏ أفتري اللّه يعصي قسرًا‏؟‏ فكأنه ألقمه حجرًا‏.‏ يقول له ‏:‏ نزهته عن محبة المعاصي، فسلبته الإرادة والقدرة، وجعلته مقهورًا مقسورًا‏.‏

وقال من عارض القدرية‏:‏ بل كل ما أراده فقد أحبه ورضيه، ولزمهم أن يكون الكفر والفسوق والعصيان محبوبًا للّه مرضيًا‏.‏

وقالوا أيضًا‏:‏ يأمر بما لا يريد، وكل ما أمر به من الحسنات/ فإنه لم يرده، وربما قالوا‏:‏ ولم يحبه ولم يرضه، إلا إذا وجد‏.‏ قالوا‏:‏ ولكن أمر به وطلبه‏.‏

فقيل لهم‏:‏ هل يكون طلب وإرادة واستدعاء بلا إرادة ولا محبة ولا رضي‏؟‏ هذا جمع بين النقيضين، فتحيروا‏.‏ فأولئك سلبوا الرب خلقه وقدرته وإرادته العامة، وهؤلاء سلبوه محبته ورضاه وإرادته الدينية وما تضمنه أمره ونهيه من ذلك‏.‏ فكما أن الأولين لم يثبتوا أن الشخص الواحد يكون مثابًا معاقبًا، بل إما مثابًا وإما معاقبًا، فهؤلاء لم يثبتوا أن الفعل الواحد يكون مرادًا من وجه دون وجه، مرادًا غير محبوب، بل إما مراد محبوب، وإما غير مراد ولا محبوب‏.‏

وكما تفرقوا في صفات الخالق، تفرقوا في صفات المخلوق، فأولئك لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون قبل الفعل، وهؤلاء لم يثبتوا له إلا قدرة واحدة تكون مع الفعل‏.‏ أولئك نفوا القدرة الكونية التي بها يكون الفعل، وهؤلاء نفوا القدرة الدينية التي بها يأمر اللّه العبد وينهاه، وهذا من أصول تفرقهم في ‏[‏مسألة تكليف ما لا يطاق‏]‏

وانقسموا إلى قدرية مجوسية، تثبت الأمر والنهي، وتنفي القضاء والقدر‏.‏ وإلي قدرية مشركية ـ شر منهم ـ تثبت القضاء والقدر، وتكذب بالأمر والنهي، أو ببعض ذلك‏.‏ وإلي قدرية إبليسية تصدق بالأمر، لكن تري ذلك تناقضًا مخالفًا للحق والحكمة، وهذا / شأن عامة ما تتعارض فيه الأسباب والدلائل‏.‏

تجد فريقًا يقولون بهذا دون هذا، وفريقًا بالعكس، أو الأمرين، فاعتقدوا تناقضهما، فصاروا متحيرين، معرضين عن التصديق بهما جميعًا، ومتناقضين مع هذا تارة، ومع هذا تارة‏.‏ وهذا تجده في مسائل الكلام والاعتقادات، ومسائل الإرادة والعبادات؛ كمسألة السماع الصوتي، ومسألة الكلام، ومسائل الصفات، وكلام اللّه ـ تعالي ـ وغير ذلك من المسائل‏.‏

وأصل هذا كله هو العدل بالتسوية بين المتماثلين‏.‏ فإن اللّه يقول‏:‏ ‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏25‏]‏‏.‏ وقد بسطنا القول في ذلك، وبينا أن العدل جماع الدين والحق والخير كله في غير موضع‏.‏ والعدل الحقيقي قد يكون متعذرًا أو متعسرًا، إما علمه، وإما العمل به؛ لكون التماثل من كل وجه غير متمكن، أو غير معلوم، فيكون الواجب في مثل ذلك ما كان أشبه بالعدل، وأقرب إليه، وهي الطريقة المثلي؛ ولهذا قال ـ سبحانه ـ ‏:‏ ‏{‏وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 152‏]‏‏.‏

/ وَسُئلَ عن المتنزه عن الأقمشة الثمينة مثل الحرير والكتان المتغالي في تحسينه وما ناسبها‏:‏ هل في ترك ذلك أجر أم لا ‏؟‏ أفتونا مأجورين‏.‏

فأجاب‏:‏

الحمد للّه رب العالمين، أما ما حرمه اللّه ورسوله كالحرير، فإنه يثاب على تركه، كما يعاقب على فعله‏.‏ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من يلبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة‏)‏‏.‏ وقال عن الحرير والذهب‏:‏ ‏(‏هذا حرام على ذكور أمتي حل لإناثها‏)‏ ‏.‏

وأما المباحات‏:‏ فيثاب على ترك فضولها، وهو ما لا يحتاج إليه لمصلحة دينه، كما أن الإسراف في المباحات منهى عنه، كما قال تعالي‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 67‏]‏، وقال تعالي عن أصحاب النار‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 45، 46‏]‏، وقال ـ تعالي ـ‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏29‏]‏، وقال ـ تعالي ـ‏:‏ ‏{‏وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 26، 27‏]‏‏.‏

والإسراف في المباحات هو مجاوزة الحد، وهو من العدوان المحرم، وترك فضولها هو من الزهد المباح‏.‏ وأما الامتناع من فعل المباحات مطلقًا كالذي يمتنع من أكل اللحم، وأكل الخبز، أو شرب الماء، أو لبس الكتان والقطن، ولا يلبس إلا الصوف، ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أن هذا من الزهد المستحب، فهذا جاهل ضال من جنس زهاد النصاري‏.‏ قال اللّه ـ تعالي ـ‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 87، 88‏]‏، نزلت هذه الآية بسبب أن جماعة من الصحابة كانوا قد عزموا على ترك أكل الطيبات، كاللحم ونحوه، وترك النكاح‏.‏

وفي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما بال رجال يقول أحدهم‏:‏ أمَّا أنا فأصوم ولا أفطر، ويقول الآخر‏:‏ أما أنا فأقوم ولا أنام، ويقول الآخر‏:‏ أما أنا فلا آكل اللحم‏.‏ لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني‏)‏‏.‏

/وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلا قائمًا في الشمس‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏ماهذا‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مروه أن يستظل، وأن يتكلم، وأن يجلس، ويتم صومه‏)‏‏.‏ وقد قال تعالي‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 172‏]‏

فأمر بالأكل من الطيبات، والشكر له، والطيب هو ما ينفع الإنسان‏.‏ وحرم الخبائث، وهو ما يضره، وأمر بشكره، وهو العمل بطاعته بفعل المأمور، وترك المحذور‏.‏ وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه ليرضي على العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها‏)‏‏.‏ وقال تعالي‏:‏ ‏{‏كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 51‏]‏، فمن أكل من الطيبات ولم يشكر، ولم يعمل صالحًا، كان معاقبًا على ما تركه من الواجبات، ولم تحل له الطيبات‏.‏

فإنه إنما أحلها لمن يستعين بها على طاعته، لا لمن يستعين بها على معصيته، كما قال تعالي‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 93‏]‏، وقال الخليل‏:‏/ ‏{‏وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 126‏]‏‏.‏

ولهذا لا يجوز أن يعان الإنسان بالمباحات على المعاصي، مثل من يعطي الخبز واللحم لمن يشرب عليه الخمر، ويستعين به على الفواحش‏.‏

ومن حرم الطيبات التي أحلها اللّه من الطعام واللباس والنكاح وغير ذلك، واعتقد أن ترك ذلك مطلقًا هو أفضل من فعله لمن يستعين به على طاعة اللّه، كان معتديا معاقبا على تحريمه ما أحل اللّه ورسوله، وعلى تعبده للّه ـ تعالي ـ بالرهبانية، ورغبته عن سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وعلى ما فرط فيه من الواجبات، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب‏.‏

وكذلك من أسرف في بعض العبادات‏:‏ كسرد الصوم، ومداومة قيام الليل، حتى يضعفه ذلك عن بعض الواجبات، كان مستحقا للعقاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن عمرو‏:‏ ‏(‏إن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه‏)‏‏.‏

فأصل الدين، فعل الواجبات، وترك المحرمات‏.‏ فما تقرب العبد/ إلى اللّه بأفضل من أداء ما افترض عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلى اللّه بالنوافل حتى يحبه‏.‏ فالنوافل المستحبة التي لا تمنع الواجبات‏:‏ مما يرفع اللّه بها الدرجات، وترك فضول المباحات، وهو ما لا يحتاج إليها لفعل واجب ولا مستحب مع الإيثار بها مما يثيب اللّه فاعله عليه، ومن تركها لمجرد البخل، لا للتقرب إلى اللّه لم يكن محمودًا‏.‏

ومن امتنع عن نوع من الأنواع التي أباحها اللّه على وجه التقرب بتركها، فهو مخطئ ضال، ومن تناول ما أباحه اللّه من الطعام واللباس مظهرًا لنعمة اللّه، مستعينا على طاعة اللّه، كان مثابا على ذلك، وقوله تعالي‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ‏}‏ ‏[‏التكاثر‏:‏ 8‏]‏ أي‏:‏ عن شكر النعيم، فيطالب العبد بأداء شكر نعمة اللّه على النعيم، فإن اللّه ـ سبحانه ـ لا يعاقب على ما أباح، وإنما يعاقب على ترك مأمور، وفعل محذور‏.‏

وهذه القواعد الجامعة تبين المسائل المذكورة وغيرها‏.‏

وأما الحرير‏:‏ فهو حرام على الرجال، إلا في مواضع مستثناة ، فمن لبس ما حرم اللّه ورسوله فهو آثم‏.‏

وأما الكتان والقطن ونحوهما فمن تركه مع الحاجة فهو جاهل ضال، ومن أسرف فيه فهو مذموم‏.‏ ومن تجمل بلبسه إظهارًا لنعمة اللّه عليه، فهو مشكور على ذلك،/ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يري أثر نعمه عليه‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏إن اللّه جميل يحب الجمال‏)‏‏.‏ ومن ترك لبس الرفيع من الثياب تواضعا للّه ـ لا بخلا، ولا التزاما للترك مطلقا ـ فإن اللّه يثيبه على ذلك، ويكسوه من حلل الكرامة‏.‏

وتكره الشهرة من الثياب، وهو المترفع الخارج عن العادة‏.‏ والمتخفض الخارج عن العادة؛ فإن السلف كانوا يكرهون الشهرتين، المترفع والمتخفض ، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏من لبس ثوب شهرة ألبسه اللّه ثوب مذلة‏)‏‏.‏ وخيار الأمور أوساطها‏.‏

والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة، فمن حج ماشيا لقوته على المشي، وآثر بالنفقة كان مأجورًا أجرين‏:‏ أجر المشي، وأجر الإيثار‏.‏ ومن حج ماشيا؛ بخلا بالمال، إضرارًا بنفسه، كان آثما إثمين‏:‏ إثم البخل، وإثم الإضرار‏.‏ ومن حج راكبا؛ لضعفه عن المشي، وللاستعانة بذلك على راحته، ليتقوي بذلك على العبادة، كان مأجورًا أجرين‏.‏ ومن حج راكبا يظلم الجمال، والحمال، كان آثما إثمين‏.‏

وكذلك اللباس‏:‏ فمن ترك جميل الثياب؛ بخلا بالمال، لم يكن له أجر‏.‏ ومن تركه متعبدًا بتحريم المباحات، كان آثما‏.‏ ومن لبس/ جميل الثياب إظهارًا لنعمة اللّه، واستعانة على طاعة اللّه ، كان مأجورًا‏.‏ ومن لبسه فخرًا وخيلاء، كان آثما‏.‏ فإن اللّه لا يحب كل مختال فخور‏.‏

ولهذا حرم إطالة الثوب بهذه النية، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من جر إزاره خيلاء لم ينظر اللّه يوم القيامة إليه‏)‏، فقال أبو بكر‏:‏ يارسول اللّه، إن طرف إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال‏:‏ ‏(‏يا أبا بكر، إنك لست ممن يفعله خيلا‏)‏‏.‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏بينما رجل يجر إزاره خيلاء، إذ خسف اللّه به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة‏)‏‏.‏

فهذه المسائل ونحوها، تتنوع بتنوع علمهم واعتقادهم‏.‏ والعبد مأمور أن يقول في كل صلاة‏:‏ ‏{‏اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 6، 7‏]‏‏.‏ واللّه ـ سبحانه وتعالي ـ أعلم‏.‏

 وَسُئِلَ عن الحرير المحض‏:‏ هل يجوز للخياط خياطته للرجال‏؟‏ وهل أجرته حرام‏؟‏ وهل ينكر عليه لذلك ‏؟‏ وهل تباح الخياطة بخيوط الحرير في غير الحرير‏؟‏ وهل تجوز خياطته للنساء ‏؟‏

/فأجاب‏:‏

الحمد للّه، لا يجوز خياطة الحرير لمن يلبس لباسًا محرمًا مثل لبس الرجل للحرير المصمت في غير حال الحرب، ولغير التداوي، فإن هذا من الإعانة على الإثم والعدوان‏.‏ وكذلك صنعة آنية الذهب والفضة، على أصح القولين عند جماهير العلماء‏.‏ وكذلك صنعة آلات الملاهي ، ومثل تصوير الحيوان، وتصوير الأوثان، والصلبان، وأمثال ذلك مما يكون فيه تصوير الشيء على صورة يحرم استعماله فيها‏.‏

وكذلك صنعة الخمر، وأما أمكنة المعاصي والكفر ونحو ذلك، والعوض المأخوذ على هذا العمل المحرم خبيث، ويجب إنكار ذلك‏.‏ وأما خياطته لمن يلبسه لبسًا جائزًا، فهو مباح‏:‏ كخياطته للنساء، وإن كان الرجل يمسه عند الخياطة، فإن هذا ليس من المحرم، ومثل ذلك صناعة الذهب والفضة لمن يستعمله استعمالا مباحا‏.‏

ويجوز استعمال خيوط الحرير في لباس الرجال، وكذلك يباح العلم والسجاف، ونحو ذلك مما جاءت به السنة بالرخصة فيه، وهو ما كان موضع إصبعين، أو ثلاثة، أو أربعة، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم جُبَّة مكفوفة بحرير‏.‏

/ وسئل ـ رَحمه اللّه تعَالي ـ عن خياط خاط للنصاري سير حرير فيه صليب ذهب‏.‏ فهل عليه إثم في خياطته‏؟‏ وهل تكون أجرته حلالا أم لا ‏؟‏

فأجاب‏:‏

نعم، إذا أعان الرجل على معصية اللّه كان آثمًا؛ لأنه أعان على الإثم والعدوان؛ ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم الخمر وعاصرها، ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها ‏.‏

وأكثر هؤلاء كالعاصر والحامل والساقي إنما هم يعاونون على شربها؛ ولهذا ينهى عن بيع السلاح لمن يقاتل به قتالا محرما‏:‏ كقتال المسلمين، والقتال في الفتنة، فإذا كان هذا في الإعانة على المعاصي، فكيف بالإعانة على الكفر، وشعائر الكفر‏.‏

والصليب لا يجـوز عمله بأجـرة، ولا غـير أجـرة، ولا بيعـه صليبًا، كما لا يجـوز بيـع الأصـنام، ولا عملـها، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه حرم بيـع الخمـر والميـتة والخـنزير/والأصنام‏)‏‏.‏وثبـت عـنه أنـه لعـن المصـورين ‏.‏ وأنـه كـان لا يـري في البيت صـورة إلا قَضَـَبه ‏.‏ فصانـع الصلـيب ملعـون لعنه اللّه ورسوله‏.‏

ومن أخذ عوضًا عن عين محرمة، أو نفع استوفاه، مثل أجرة حمال الخمر، وأجرة صانع الصليب، وأجرة البغي، ونحو ذلك فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله، فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث، ولا يعاد إلى صاحبه؛ لأنه قد استوفي العوض، ويتصدق به‏.‏ كما نص على ذلك من نص من العلماء‏.‏ كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر، ونص عليه أصحاب مالك، وغيرهم‏.‏

 وَسُئِلَ عمن يتجر في الأقباع‏:‏ هل يجوز له بيع القُبْع المرعزي وشراؤه‏؟‏ والاكتساء منه‏؟‏ وما يجري مجراه من الحرير الصامت‏؟‏ أو يحرم عليه لكون القُبْع لبس الرجال دون النساء‏؟‏ وهل يجوز بيعه للجند والصبيان إذا كانوا دون البلوغ ‏؟‏ أو لليهود والنصاري، أم لا‏؟‏ إلى غير ذلك من المسائل‏.‏

فأجاب‏:‏

أما أقباع الحرير، فيحرم لبسها على الرجال؛ ولأنها حرير، /ولبس الحرير حرام على الرجال، بسنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وإجماع العلماء ‏.‏ وإن كان مبطنا بقطن أو كتان‏.‏

وأما على النساء؛ فلأن الأقباع من لباس الرجال، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء ‏.‏

وأما لباس الحرير للصبيان الذين لم يبلغوا‏:‏ ففيه قولان مشهوران للعلماء، لكن أظهرهما أنه لا يجوز، فإن ما حرم على الرجل فعله حرم عليه أن يمكن منه الصغير، فإنه يأمره بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، ويضربه عليها إذا بلغ عشرًا، فكيف يحل له أن يلبسه المحرمات‏.‏

وقد رأي عمر بن الخطاب على صبي للزبير ثوبًا من حرير فمزقه، وقال‏:‏ لا تلبسوهم الحرير‏.‏ وكذلك ابن مسعود مزق ثوب حرير كان على ابنه‏.‏ وما حرم لبسه لم تحل صنعته ولا بيعه لمن يلبسه من أهل التحريم‏.‏

ولا فرق في ذلك بين الجند وغيرهم، فلا يحل للرجل أن يكتسب بأن يخيط الحرير لمن يحرم عليه لبسه، فإن ذلك إعانة على الإثم والعدوان، وهو مثل الإعانة على الفواحش ونحوها‏.‏ وكذلك لا يباع /الحرير لرجل يلبسه من أهل التحريم، وأما بيع الحرير للنساء فيجوز‏.‏ وكذلك إذا بيع لكافر، فإن عمر بن الخطاب أرسل بحرير أعطاه إياه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل مشرك‏.‏

 وَسُئِلَ‏:‏ هل طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه في أكمامه مكروه ‏؟‏

فأجاب‏:‏

لا بأس بذلك، باتفاق الفقهاء، وقد ذكروا جواز ذلك، وليس هذا من السدل المكروه؛ لأن هذه اللبسة ليست لبسة اليهود‏.‏

 وَسُئِلَ عن طول السراويل إذا تعدي عن الكعب، هل يجوز ‏؟‏

فأجاب‏:‏

طول القميص والسراويل وسائر اللباس، إذا تعدي ليس له أن يجعل ذلك أسفل من الكعبين، كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال‏:‏ ‏(‏الإسبال في السراويل والإزار والقميص‏)‏‏.‏ يعني نهى عن الإسبال‏.‏